فريدريك نيتشه و لعنةُ النازيّة
- "تأويل فلسفة القوة عند نيتشه"
" قد يكون أعظم فيلسوف عرفهُ العالم ، نعم قد يكون كذلك ، بكل ما للكلمة من معنى. كان عظيماً في كل شيء فَعَله ، الأهم ومن غريب المفارقات أنه وُلِد إنساناً صوفياً ، مع أنه وُلِد في الغرب المادي ، في الغرب الذي اكتشف قوانين الطبيعة والكون ، ولم يفكر يوماً بذات الإنسان وروحه. كان فيلسوفاً استمد حكمته ليس من العقل وحسب ، بل ومن صميم قلبه أيضاً.
إنه الفيلسوف الوحيد في الشرق والغرب الذي اعتبر إرادة الإنسان هي مصدر قوته وقدراته ، والفيلسوف الأوحد الذي جمع في شخصيته روحانية بوذا وعبثية زوربا اليوناني. إثنان متناقضان ، لكن نيتشه أثبت إمكانية التقائهما معاً. إنه الفيلسوف الأوحد الذي قال بضرورة ارتقاء الإنسان بذاته لبلوغ أعلى درجات القوة.
رأى نيتشه أن الحق للأقوى ، لكنه حين نادى بالقوة ، لم يكن يقصد ضرورة استغلال القوة للسيطرة على الآخرين ، إنما النازية هي التي أعطت هذا التفسير لما قاله نيتشه. إرادة القوة هي عملياً نقيض كلي لمفهوم السيطرة. ذلك لأن الرغبة في السيطرة على الآخرين أو التسلط هي نتيجة الإحساس بالدونية. فمن يريد السيطرة على الآخر ، يفعل ذلك إثباتاً لوجوده ، وإعلاناً أنه إنسان متمتع بالقوة والقدرة ، لكن هذا الأمر يحتاج إلى إثبات - إثبات أنه متمتع بالقوة والقدرة - إنما ليس عن طريق السيطرة على الآخرين.
الإنسان القوي هو ذاك الذي يرغب بتفجير كل الطاقة الكامنة فيه ، والارتفاع بذاته إلى أعلى المستويات ، حتى حدود السماء ، لكن هذا لا يعني أنه يرغب بالارتفاع عن الآخرين ، إنما وببساطة يحاول الارتقاء إلى مستوى قدراته وطاقاته.
إرادة القوة أمر شخصي فردي. والقوي هو من يحاور النجوم ، إنما لا يهتم بإثبات دونية الآخرين ، إنها نوع من المنافسة مع الآخرين ، وليست عملية مقارنة.
جاء أدولف هتلر وأتباعه النازيون الذين تسببوا ليس بدمار العالم المادي وحسب ، بل وبتدمير الذات الإنسانية ، لقد منعوا الآخرين من فهم أفكار فريدريك نيتشه فهماً حقيقياً ، أرادوا أن يفهم الآخرون ما يرغبون هم بنشره. لقد أساؤوا فهم نيتشه و أرادوا للآخرين أن يستوعبوا ما أساؤوا فهمه ، وليس ماهو حقيقي. إن إساءة فهم هتلر وأتباعه النازيين لما قاله نيتشه ، يشبه صلب المسيح ودس السم لسقراط. لا اليهود استوعبوا ما كان يبشر به المسيح ، ولا كهنة الإغريق تقبلوا فلسفة سقراط ، فكان أن صُلِب الأول ، ومات الثاني مسموماً.
لقد أساء أدولف هتلر فهم فلسفة نيتشه ، فتسبب هو والنازيون بقتل ملايين البشر - وانطلاقاً من فلسفة نيتشه - دمروا مدناً أوروبية بكاملها. ولكن ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية ، وما إن انتهى هتلر وأتباعه ، حتى أخذ العالم يعيد قراءة فلسفة نيتشه قراءة صحيحة ، وأزيلت اللعنة عنه. لعن العالم نيتشه ليس بسبب أفكاره ، بل بسبب تأويلات النازية لتلك الأفكار".
___________________
لقاءات مع أناس استثنائيين ، أوشو ، ترجمة علي الحداد ، دار الخيال ، بيروت ، ٢٠٠٩.
