-->
yahyaousghir yahyaousghir

"الانفصال"

 "الانفصال"



"الإنفصال" هو أن ينفصل موضوع عن موضوع آخر كان "متحدا" به، كأن تنفصل التفاحة عن الشجرة التي أثمرتها، أو أن ينفصل الجنين عن الرحم الذي نشأ فيه، أو أن ينفصل جزء من صخرة عن الجزء الثاني من نفس الصخرة؟

الإنفصال، كيفما عرفناه، هو شرط وجودي ل"الإثنينية" (وجود موضوعين اثنين) إذا افترضنا أن "الواحدية" (وجود شيء واحد) أصل. وجود إثنين يفترض أن هناك على الأقل صفةً واحدةً (سمة واحدة، خاصية واحدة، إلخ) تميّز أحد الإثنين عن الآخر، حتى ولو كانت هاته الصفة المميزة للموضوعين هو وجودهما (تَحَيُّزهُما) في مكانين مختلفين.


بهذا المعنى، أيضا، فالإنفصال هو أصل اختلاف الألوان والأشكال الهندسية، والكُتل، والمسافات، والكِمّيات، والأبعاد الفضائية، إلخ.


كل هذا مفهوم ومعقول. لكن في هذا التحديد ل"الإنفصال" مسألة معقدة قد لا يُنْتَبَه لها، وهي أنها تفترض أن "الواحدية" أصل. لكن ماذا إذا افترضنا أن "الإثنينية" أصل، ففسرنا الإثنينية بانعدام أحد "الثلاثة"، وفسرنا "الثلاثة< بانعدام أحد "الأربعة"، وهكذا. هذه الفرضية هي المضمون المنطقي والوجودي ل"تعددية" برتراند راسل، وتوالي الأدوار عند پينروز. يفترض پينروز في نظريته الكوسمولوجية أن البيڭ بانڭ لم يكن بداية، بل مرحلة انكمش فيها الكون انكماشا مختزلا تعدده، وأن البيڭ بانڭ في حد ذاته عودة للتعدد وليس بداية له.

يبدأ المشكل الحقيقي عندما ننزل بالتحديدات الفلسفية (كتعددية راسل) والكوسمولوجية (كتوالي الدور عند پينروز) إلى مستوى ملموس من التحليل، أي عندما "نفكر" بالفعل (بالمعنى الهايدڭري ل"التفكير") في معنى "الواحدية" (كواحدية "الفردية"singularity الكوسمولوجية في نظرية البيڭ بانڭ). فما الذي يتخذ "الواحدية" صفة له في العالم الطبيعي (غير اللاهوتي"؟ ما الذي يجعل "الواحد" واحدا بالفعل في هذا العالم؟ تحديد معنى "الواحدية" شرط للبث في "واحدية" العالم أو "تعدديته"؟ (ڤراسن يرفض رفض مطلقا أن يكون العالما "واحدا": UNIverse لا معنى لها لأنها تفترض أن العالم UNI، ففضل أن يسمي العالم ب MULTIverse).


لكي يكون "الواحد" واحدا، ينبغي أن يكون "أساسيا" basic، فتُحدد الصفات بدلالته ولا يحدد بدلالتها ، وأن يكون "متماثلا" symmetric، يستحيل معه وجود موضوعين لا صفة لهما سوى "واحديتهما" (فهذا تناقض)، وأن يكون ذاته ولاشيء غير ذاته (وإلا وُجد ثان ينفي عنه الواحدية). مقتضيات تعريف "الواحدية" (التي هي صفات ضرورية في تحديده) هي نفسها مقتضيات تعريف "الوجود": فهو أساسي (تقتضيه كل صفة ولا يقتضي أية صفة)، ومتماثل (يستحيل منطقيا وجود صفتين لا صفة لهما سوى صفة الوجود)، وصفة لنفسه (إذا لا معنى لوجود ليس موجودا).


"الواحدية" إذن هي صفة الوجود نفسها. لذلك فلا يمكن فهم "الإثنينية" وغيرها من مراتب التعدد إلا بفهم الوجود. هذا بالضبط هو المبدأ الأساسي للتحليل الوجودي الذي اكتشفه بارمينيدس، وأعاده إلى مجال التداول الفلسفي الجدي هيڭل، واكتشف طابعه الحاسم في "التفكير" هايدڭر.

ستبقى العلوم والفلسفة تدور حول أزمتها الذاتية لا تتجاوزها إذا لم تجعل أساس "التفكير" فيها النظر في الكيفية التي تنغرس بها مواضيع تفكيرنا في تربتها الوجودية.


ذ. عبدالله الحلوي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

yahyaousghir

2016